عثمان لوصيف.. شاعرٌ مجبولٌ من طين، يُشعّ بنور السماوات

بقلم: محمد ياسين رحمة.. شاركتُ بهذا المقال في ملّف حول الشاعر عثمان لوصيف، أعدّته الإعلامية الأديبة نوّارة لحرش، ونُشر بجريدة النصر بتاريخ 18 أفريل 2016.. في أخر المقال يُمكنكم تحميل "التجربة الشعربة عند رامبو" وهي الرسالة التي نال بها الشاعر شهادة الدكتوراه في الأدب العالمي

الشاعر الدكتور عثمان لوصيف

حوّل حياته إلى قصيدة عصيّة على أبجديات الحروف، ثم أوغل في القصيدة مُتوّحدا باللغة التي اخترعها وهو يمارس لعبة التحرّر منها، فصار كائنا شعريا خالصا ينتمي إلى لحظة كونية تستغرق أزمنة وعصورا ويتفاعل فيها الحب والجمال. فلا حدود بين السماوات الشعرية وبين جغرافية الحياة التي يُمارس عليها الشاعر وجوده بحواسه الخمسة.

إن هذه الحالة تُمثّل موقفا من الشاعر يُواجه به عصرا فوضويا متلبّسا بالتوحّش والزيف والانحياز إلى رغبات الجسد ومظهريات الحياة، ولا يحتمل الترتيب والتنظيم والتطهير للأعماق البشرية كي تكون مقاما يليق بالروح الإنسانية التي تحيا الاغتراب عن جوهرها وعن أدوارها في التواصل بين البشر. لقد اختار الشاعر أن يعتزل عالمه ويقيم في محراب ذاته قانعا ومقتنعا بأن يحيا الشعر، ولا يكيّف اللغة ليبني القصيدة، بل يكيّف القصيدة من أجل كل حالة شعرية يكون هو معناها.

عثمان لوصيف شاعرٌ وهب حياته للشعر فخلق كونه الشعريّ وأقام فيه بعيدا عن الإضجاج والأضواء، وكأنه يحاول تهريب جوهره الإنساني من التلوّث الذي يكاد يحوّل البشر إلى كائنات آدمية قابلة للبرمجة وإعادة البرمجة فكريا وعاطفيا وروحيا. وفي «كِتاب الإشارات» يضيء الشاعر أفكاره ورؤاه في ومضات شعرية مُركّزة تقرأ العالم وتنتقد الإنسان الذي تنكّر لإنسانيته وتقدّم وصفات للخلاص من قوى الشّر التي تعمل من أجل إطفاء النور الكامن في قلب كل إنسان.. ومرجع الإشارات يعود إلى إشارة مفتاحية يحدّد فيها الشاعر هويّته وغاياته ومنطلقاته، فيقول: «عندما تغشاني الحال/ يتجاذبني بحران: بحر المحبة وبحر الإيمان».

الكون الشعري للشاعر عثمان لوصيف يفيض بالرؤى الصوفية التي ترتكز على المحبة والإيمان، ولكن الصوفية عند شاعرنا ليست توجّها ولا معتقدا ولا «فنّ حياة»، وليست مُركّبا شعريا يسري في دم القصيدة، إنّها موقف إنساني إيجابي اتجاه قضايا العالم في عصر يُبرهن كل يوم عن سطوة العقل الضال. فهي صوفية من حيث اختيارها للمحبة والإيمان كطريق لخلاص البشر، ولكنها تحتمل معاني اعتزال ما يسيء إلى الطبيعة والرفض والتمرّد ضد ما ينتهك إنسانية الإنسان، وهي صوفية تنطلق من معادلة وردت في إشارة من «كِتاب الإشارات»: «مجبولٌ من طين/ لكني أشعّ بنور السماوات».

الرؤى الصوفية في الكون الشعري لشاعرنا تبحث في معنى الحياة الذي يرتبط بالكائن الآدمي باعتباره جسدا وروحا، فالحياة هي لعبة يتجاذبها الإمتاع والملل ولكنها تنتهي بالموت الذي يعني تحرّر الروح من شرنقة الطين التي تأسرها، الحياة هي صراع بين خصائص الطين التي يُمثّلها الجسد، وبين خصائص إشعاع النور السماوي الذي تُمثّله الروح، أو هي محاولة لإيجاد معادلة التآلف بينهما ليتحقّق المعنى الإنساني للإنسان فوق الأرض.

في ديوان «قالت الوردة» يغوص الشاعر في عوالم الجسد الذي يتكوّن من الذّرات ذاتها التي تتكوّن منها المجرات والكواكب والنجوم، كما يغوص في عوالم الروح التي كانت شاهدة على خلق الجسد، وكأن للروح تأريخها الخاص الذي لا يُدرك بلغات العقل ومنطقه، وينتهي غوص الشاعر في «قالت الوردة» إلى رسالة توجّه بها إلى الإنسان باعتباره خليفة في الأرض، خُلق ليحيا الحياة ويستكشف منابع المحبة والجمال فيها ويشيعها في الوجود وبين الكائنات، ولا يكون متجبّرا ومُفسدا وزارعا لثقافة الهدم والرعب واستعداء الطبيعة.

وتحفل دواوين الشاعر عثمان لوصيف برموز شعرية إنسانية استلها من التراث الإنساني على امتداد العصور، انطلاقا من الشنفرى وتأبط شرا.. وصولا إلى أمل دنقل وبدر شاكر السياب والفيتوري وبودلير وأرتور رينبو وغيرهم كثيرون ممن تلازمهم فكرة تغيير العالم المستغرق في «شهوة الطين»، انطلاقا من أعماقهم «النورانية». وقد استجمع الشاعر هذه الرموز في ذاته، فكأن جميعهم من نسل شعري واحد ويؤمنون بما يؤمن به الشاعر.

كما تحفل دواوين الشاعر بوقفات على الجغرافية العربية واستيقاف للزمن ومعايشة مدن لها تاريخها وتأثيرها في الوجود العربي، لاسيما ديوان «زنجبيل» الذي جاء في كلمة إهدائه: «إلى الشعب السوداني الشقيق، وإلى كل من يؤمن بوطن عربي واحد.. من المحيط إلى الخليج». والكون الشعري للشاعر عثمان لوصيف يهب القارئ فرصة السياحة الشعرية عبر مدن عربية وأخرى جزائرية كثيرة، فهو شاعر المدن بامتياز لاسيما في ديوان «غرداية»، وأيضا السياحة في الطبيعة وتأمّلها في مشهديات شعرية تحرّض على اعتناق الجمال واحترامه واستكشافه المتجدد لتجديد العلاقة الروحية بين الإنسان والطبيعة في سياق المحبة والإيمان ليحقّق الإنسان خلافته في الأرض، فقد جاء في إهداء ديوان «قراءة في ديوان الطبيعة»: «إليك أنت يا هذا الإنسان.. يا أخي وصديقي.. ويا خليفة الله في أرضه».

أيضا يستند الكون الشعري للشاعر عثمان لوصيف على تمثّل عميق للتراث العربي عبر مختلف حقبه، كما يستند إلى إبحار متمكّن في الآداب الأجنبية بلغات متعددة، بالإضافة إلى إدراك معرفي لكثير من علوم الطبيعة والحياة، والولع بالموسيقى والارتباط الروحي بالشبّابة. ولكن أقوى مستند هو التجربة الإنسانية للشاعر في مجالات التدريس والتعليم على الخصوص، فقد درّس في مختلف أطوار التعليم من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة، وعاش وعايش محنا وتحدّيات كثيرة، لم تجعل منه شاعرا «كونيا» فحسب، بل جعلت منه شاعرا له موقفه الوجودي من العصر الفوضوي وإعلانه الانعزال عنه والابتعاد عن إضجاجه وأضوائه. لقد اكتفى الشاعر أن ينفي نفسه في اللغة ويكتب بالنار كما فعل في ديوانه الأوّل «الكتابة بالنار» ثم في ديوان «المتغابي»، لعلّه يُوقظ الصعاليك والمتمرّدين والمنبوذين من أشعارهم فيعيدون نار الخلق إلى الإنسان الذي يؤمن بأنه خليفة الله في الأرض بمحبة وإيمان وبلا فوضى وزيف وهدم وإفساد.
.....................................

التجربة الشعربة عند رامبو.. عثمان لوصيف [للقراءة مباشرة أو للتحميل ##Download##]

.......................................................

قصيدة "المعراج" للشاعر عثمان لوصيف من ديوان "براءة"

خلّني
فاضت السماء بعينيّ نبيذا واستيقظت أعشابي
صاعدٌ في الحفيف، في نشوة الوخز، في ريش السّحاب
... في الأهداب
صاعد..
صاعد..
دمي يشرب النّار، وروحي تطير من أثوابي
صهوتي البرق، والتباريح أكوابي
وسرّ المجهول سرّ اكتئابي

أين يمضي بي إلتهابي؟
وأين المنتهى.. أين آخر الأبواب؟

خلّني
للضياع، للخوف، للسّحر، وللموت خارج الأحقاب

خلّني.. خلّني فهذا اغترابي
هذه شهوتي.. وهذا عذابي

التعليقات

height=''
الاسم

أدبيات,2,حواريات,3,كلامولوجيا,5,
rtl
item
ياسبوك.. محمد ياسين رحمة: عثمان لوصيف.. شاعرٌ مجبولٌ من طين، يُشعّ بنور السماوات
عثمان لوصيف.. شاعرٌ مجبولٌ من طين، يُشعّ بنور السماوات
بقلم: محمد ياسين رحمة.. شاركتُ بهذا المقال في ملّف حول الشاعر عثمان لوصيف، أعدّته الإعلامية الأديبة نوّارة لحرش، ونُشر بجريدة النصر بتاريخ 18 أفريل 2016.. في أخر المقال يُمكنكم تحميل "التجربة الشعربة عند رامبو" وهي الرسالة التي نال بها الشاعر شهادة الدكتوراه في الأدب العالمي
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjN_NavV4i5RShp1urnJOk9XNvXb5wMo3FcRsnkdiWgZVuew_IW3dD0JHizVI5oDB91sFNVPUynep4gL92aA1GB6SxKjkMXCYcgsoBXzWhH7VhZUlJ0oK6BOKbMB2WquHJdJvL_n1xIkHU/s320/%25D8%25B9%25D8%25AB%25D9%2585%25D8%25A7%25D9%2586+%25D9%2584%25D9%2588%25D8%25B5%25D9%258A%25D9%2581.jpg
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjN_NavV4i5RShp1urnJOk9XNvXb5wMo3FcRsnkdiWgZVuew_IW3dD0JHizVI5oDB91sFNVPUynep4gL92aA1GB6SxKjkMXCYcgsoBXzWhH7VhZUlJ0oK6BOKbMB2WquHJdJvL_n1xIkHU/s72-c/%25D8%25B9%25D8%25AB%25D9%2585%25D8%25A7%25D9%2586+%25D9%2584%25D9%2588%25D8%25B5%25D9%258A%25D9%2581.jpg
ياسبوك.. محمد ياسين رحمة
https://yacerambook.blogspot.com/2019/08/blog-post_17.html
https://yacerambook.blogspot.com/
https://yacerambook.blogspot.com/
https://yacerambook.blogspot.com/2019/08/blog-post_17.html
true
1606517592947824203
UTF-8
تحميل كل الموضوعات ليس هناك أي موضوع مشاهدة الكل تابع القراءة تعليق مسح التعليق حذف الناشر الرئيسية الصفحات الموضوعات مشاهدة الكل اقرأ أيضا قسم أرشيف ابحث كل الموضوعات لم يتم إيجاد موضوع يطابق بحثك عودة إلى الرئيسية الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر جانفي فيفري مارس أفريل ماي جوان جويلية أوت سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر اللحظة قبل دقيقة $$1$$ قبل دقيقة قبل ساعة $$1$$ قبل ساعة أمس $$1$$ قبل يوم $$1$$ قبل أسبوع قبل أكثر من 5 أسابيع متابعون تابع محتوى مشروط اضغط لفك التشفير انسخ الكود ظلّل الكود تم نسخ الكود في الكيوبرد لم يتم نسخ الكود/ النص, اضغط [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) للنسخ